لو أن حبي قطعة..أو مادة..أغوص بيدي في عمق قلبي وأستخرجها..ثم أنشرها أمامي ومشرط بين أصابعي..أقطعها قطعاً صغيرة..فأصغر..فأصغر..حتى تغدو كذرات الغبار وأذروها..فلا يعود لها تأثير..
أو أغرز فيها مقبضاً حاداً وأحرقها..والنار تتوهج في عيني فرحاً وانعكاساً وانتقاما..فلا يبقى منها سوى دخان في الهواء..ورماد في الارض..
أو أشعلها كشمعة..ثم أجلس ساعة أو نحوها أرقبها تذوب أمامي شيئاً فشيئاً..حتى آخر قطرة…
أو أنه ورقة أسكب الماء عليها فأمحو ما فيها وأعيدها بيضاء كما خلقت..أو أمزقها شر تمزيق..فلا يجتمع فيها حرفان ولا يتحد فيها معنى..
لو أنه قطعة أصهرها وأسكبها في إحدى المحيطات..أو أرميها للشمس فتنفجر..
لو أن حبي قطعة..فألغي كينونتها..وأنهي وجودها…
لو أنني أعرف من تكون..لربما سيكون أسهل علي..لو أنني أراها وأميز الفرق بيني وبينها..أدرك...لن ترقى لمثلي..لكني سألعن نفسي حينها وألعنها..
نيران تتأجج في داخلي..لا أدري ما الذي يذكرني بها الآن وامتحان ينتظرني في الغد والأوراق أمامي ولا أرى الكلمات فيها أكثر من حروف مرصوصة..يذكرني بها وكأني أعرفها أصلاً..لا أعرف منها سوى أرقام وصوت..وأرقام أخرى وأرقام..وبضع كلمات قيلت لها في إحدى تلك المرات الكثيرة جداً..
كلمات قليلة وصلتني ليس فيها ما هو غير عادي..لكنها تخز كالإبر في جسمي الآن..
كم مضى على ذلك..شهران أو أكثر..مع ذلك ما زالت تخزني وتشويني بضع كلمات قيل غيرها كثير..
آه لو أني أعرفها أو أعرف ما هي..آه لو أنه تكلم..لو أنه يرحمني ويقول شيئاً..لو أنه يشفق على صمتي ويقول شيئاً..إن يظن أن كلامه سيجرحني فليصدق أن سكاكين صمته أحد وجرح ما أخفاه أعمق..لو كان يظن أن خيبتي ستكون أقوى مني وصدمتي ستكون عنيفة..فليوقن أني أقوى منه ومن عالمه كله..من حاضره وماضيه..فليعلم أن قلبي ظل أوسع من الدنيا بأسرها رغم كل ما حاولت ملأه به..
لكنني لست أقوى من هذا الصمت المطبق..من فراغ فاغراً فاه كالأبله..لست أقوى من وقت أمضي به وأتركه خلفي وليس بيدي حيلة..قلبي على وسعه يضيق من صمت لا شيء غيره..يضيق من جهلي بأشياء وبعدي البعيد عنه..من فجوة تزداد وسعاً..من فأس كلمات ترن في مسمعي ويفيض ما وراءها وما تعنيه في عقلي حتى الحافة..يدق كالكرة تتقافز من جدار إلى جدار..فأس كلمات تدق وتحفر وتنثر التراب..أبتلعه وأزدرد به..يهز الصوت جسدي كله كشحنة كهرباء..ويخز الصدى في يدي كالإبر..فيثير فيّ رغبة الصراخ..تبأً لها تباً..تباً لها وتباً لك..وتباً ليوم ظهرت فيه في عالمي..