من ينافسه في هدر دم قلمي..ذاك الذي كتبت عنه في المرة السابقة وأزهقت عشرات الدقائق أحدث نفسي عنه لأريحها من الكم المختزن فيها.. حين سكبتها على السطح لتجف..كنت أعلم ما أعنيه بكل استدارة حرف..كنت أنقلها عبر يدي كتيار في اتجاه واحد..وأشعرها ثانية حين أستطلعها كأني بذلك أعوض ما أفرغته من نفسي.. كان ذلك قبل أربعة أو خمسة شهور..هلامية شفافة مفرغة..لها بعض رائحة الغبار وعتمة صحراوية تضيؤها من الداخل وتحجب الرؤية عن الخارج.. لا أعرف حقاً ماهية الشهور والأيام والوقت أجمع..لا أراها سوى خدعة سكنت الكتب لا نميزها أثناء انشغالنا..لكنها كانت خمسة أو ستة شهور بوصف كهذا.. أشبه بطريق لم أعبر به..بل عبر بي كأنما هو مركبة..لم نجتز مكاناً..سوى بضعة من الزمن لم أعد أعرف حقاً بعدها ماذا يدور في خلدي.. وصلت بي إلى الآن..حيث لا أنا التي أعرفها.. أريد كل ما لا أريده..ولا أريد ما أريده..أخاف من خوف لم أعهده في نفسي..خوف من كوني لا أخاف..خوف من أني لم أعد أحبه..من أن أكون قد فقدت الشعور الوحيد الذي كنت أفخر بوجوده في قلبي المتجمد البقية إلا من بعض ثورات غضب متفرقة.. حين أقرأ الكلمات التي كتبتها قبل بضعة شهور..ونقلتها إلى الصفحة السابقة..أحس بنبض كل حرف على حدة..حية ومحتقنة وحمراء..صادقة كمعبودة مُلّ من عبادتها.. لكني لم أعد أعرف إن كنت ما أزال أحملها تلك النبضات..أم أحمل غيرها..أم نقيضها..أم أنني فقدت روحي..أضعت ذاتي أو أنا أضاعتني..أم حكمتي وحدسي هي التي ضاعت.. أيني..أين أربعتي.. هل سيوجد من يجدني؟؟
إلى متى يا أنت..إلى متى سأظل أحبك وأنت على حالك..تتجاهلني ببساطة..إلى متى ستظل أعصابي تحترق بهدوء أعصابك..وأوردتي مرجلاً ينتفض فيه دمي ويستقي حرارته من برودتك.. تسعمائة واثنان وثلاثون يوماً قضيتها حتى الآن أتخبط بين جدران وهم يسمى باسمك..أتنفس هواءً لا أعرف من أين يأتيني..وطريق الخروج فتحة في الأعلى..لكنها بعيدة..مرتفعة فوق حدود الجهد المأمول..لها يدان موضوعتان على خصرها وابتسامة ملتوية..وعينان مفتوحتان دوماً لا ترتجفان إلا من ظل عزم تخشى أن يكون أحق من الخيال..وحين تيأس مني المحاولة وأقترب بشفتي المزمومتين وترتجف تلك العينان وأستبيح ترفعها وأنتهك بعدها..يخيل إلي أن جدران الوهم سراب وأني أستطيع الخروج من أي جانب..حينها يستحيل العزم استرخاء..واتجه بقواي المحشودة إلى أحد الجوانب فأصطدم ثانية بالجدار..وأعود أدور حول رأسي وألم الاصطدام يدوي فيه..والوهم يدور حولي..شريراً..بوسادات وأشواك وحبر... لست أفضل مني..وأدعي الكبرياء..وأحب رجلاً تحبه الفتيات..ويحب الفتيات..بعيد عني كل بعد قد تتخيله فتاة تحب..بعيد عن ملمسي وأعلم أني وإن كدت ألمسه فسأمتنع..لأني بيني وبيني أعرف أنه سيبقى بعيداً..لكن قلبي يأبى الاعتراف بتقرحات الواقع ومطبات الطريق..وعقلي قد شلّ بالتفكير فيه..أصبح لا يفارقني كشبح هجر عالمه وسكنني..كفيروس يخترق الدم ويعيث فيه ولا شفاء منه.. بعيد عن ملمسي..وأدعي الكبرياء وأحاول أن أكتم لهاثي خلفه..فأختنق باللهاث قطرات..عبرات تجد طريقاً نحو عيوني البارعة في عملها..تتجمع في مجرى الدمع وأكتمها أيضاً..فأنا لن أبكي لأجلك..لن تستحق دموعي أيضاً... أتحبك الفتيات؟ لا آبه بما تجنيه في يومك..ولا بمن يشاركك كأسك..فقط أعد إلي أيامي..سأشتريها منك فاطلب الثمن الذي تريد وسأدفعه..لست أفضل مني..فقط رد إلي أياماً باعها لك القدر على غير إرادتي..أياماً تشكل الشهور والسنوات..وتحوي ساعات ودقائق لا أريد أن يملأها المزيد من التفكير في صورتك.. إني أحبك حاول أن تساعدني فإن من بدأ المأساة ينهيها..هل تذكر هذا الشعر..هل مازال لديك..لا بد أنك تذكره..وأنت من بدأ المأساة..وجودك بدأ المأساة فغادر برودك وساعدني..خلصني من شبحك فقد بت تدمرني..وتقتل رغبتي في كل شيء.. لست أستجديك..ولكن..إن أنت مررت من هنا فستعرف حتماً أني أعنيك بكلامي..عندها اترك لي أثراً أهتدي به في طريقي إلى اللا إليك..
<<الصفحة الرئيسية










